نصر حامد أبو زيد

146

الاتجاه العقلي في التفسير

جعلوا هذه الطريقة تستوعب جميع دائرة العبارات القرآنية الدالّة على التشبيه » 19 . وإذا كان مجاهد قد عرّف المتشابهات بايراد بعض الآيات المتشابهة ، فإن مفسرا آخر هو محمد بن جعفر بن الزبير يعرّف المحكم والمتشابه تعريفا نظريا مجردا يشير فيه - دون أن يصرّح - لمفهوم الغموض في المتشابه . يقول معرّفا المحكمات بأن « فيهن حجة الرب ، وعصمة العباد ، ودفع الخصوم والباطل ، ليس لها تصريف ولا تحريف عمّا وضعت له » أمّا المتشابهات فهي متشابهات « في الصدق ، لهن تصريف وتحريف وتأويل . ابتلى اللّه فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ، لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق » 20 . وهذه التفرقة إلى جانب اثارتها لمشكلة الوضوح والغموض - تقترب كثيرا من مفهوم المعتزلة من جانبين : الجانب الأول أن المتشابه هو ما يحتاج لتأويل أو تصريف عمّا وضع له في أصل اللغة ، وهنا يرتبط التأويل بالمجاز ربطا واضحا . ) أمّا الجانب الثاني فهو أن محمد بن جعفر بن الزبير يلمح الغاية وراء ايراد المتشابه . ويحددها بأنه الابتلاء والامتحان والاختبار . وهي فكرة سيتوسع فيها القاضي عبد الجبار بعد ذلك ويربطها بفكرة التكليف العقلي السابقة على التكليف الشرعي . وإذا كان ابن عباس في الرواية التي قبلناها عنه قال عن نفسه « أنا ممن يعلم تأويله » ، فقد ذهب مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير إلى أن الراسخين في العلم يعلمون المتشابه 21 . أمّا الرواية الأخرى عن ابن عباس ، وهي الرواية التي فسّرت المتشابه على أنه الحروف المقطعة في أوائل السور ، فقد فسّرت التأويل على أنه « المتأول » أو العاقبة وقال : « وما يعلم تأويله إلّا اللّه » ، يعني تأويله يوم القيامة « إلّا اللّه » 22 ومعنى ذلك أن التأويل هنا بمعنى العاقبة ، وهو ما يذهب إليه السدى أيضا ، ولكن على أنهم « إنما أرادوا أن يعلموا متى يجيء ناسخ الأحكام التي كان اللّه جل ثناؤه شرعها لأهل الاسلام قبل مجيئه ، فنسخ ما قد كان شرعه قبل ذلك » 23 . وبناء على هذا التعريف يذهب كل من ابن عباس - والرواية ضعيفة عنه - والسدى وهشام بن عروة ، وأبو نهيك الأسدي وعمر بن عبد العزيز ، والامام مالك ، ويضيف الطبري إليهم روايات عن السيدة عائشة . يذهبون جميعا إلى أن « الراسخون في العلم » مقطوع عمّا قبله ، وأنه كلام مستأنف ، وبذلك يكون « الراسخون في العلم » لا يعلمون معنى المتشابه . والطبري نفسه يأخذ جانب هذه الروايات في كل جوانبها ، أعني في سبب النزول ومعنى المتشابه والتأويل واعراب الآية على القطع لا العطف . 24